Beeah

أصالة التكوين في التخطيط الحضري: ثلاثة نماذج حضرية صمدت رغم تحوّلات الزمن

 

معظم المخططات الحضرية تعيش عقدين ثم تتفكك وثمة فارق جوهري يحدّد ما يبقى منها وما يتلاشى، فبينما تتآكل مشاريع تُقدَّم كقشرة بصريّة للمدينة، تبقى أخرى فاعلة لأنها صُممت لتكون عصبها التشغيلي. في البيئة ومنذ عام 1975، تبلورت هذه القناعة في منهج واضح: أن ديمومة النسيج العمراني تنبع من منطق المكان وعلاقاته، لا من الأثر الجمالي. وهو ما نطلق عليه أصالة التكوين؛ منهجية تمكّن المخطط من تجاوز حدود الآنية، ليغدو بعد عقود من تنفيذه قادرًا على استيعاب تحوّلات المدينة ويحافظ على فاعليته عبر الزمن. وفيما يلي، نقف على ثلاثة نماذج لا تزال تعمل بذات الحيوية في قلب مشهدنا المعاصر؛ كبراهين واقعية على ديمومة هذا الفكر.

 

النموذج الأول: تخطيط المنطقة المركزية – الحي الدبلوماسي، الرياض

في عام 1980، تولّت البيئة هذا المخطط، في وقت كانت المدن تُبنى بمنطق المركبات: طرق شريانية عريضة، كتل منفصلة، وفراغات عامة مهجورة. جاء هذا التوجه ليكسر هذا الجمود، ويعيد الاعتبار لحركة الإنسان داخل المدينة.

هنا لا نتحدث عن تصميم تقليدي، بل عن إنقاذ حضري؛ إذ نقل العمل من دوامة المعالجات الجزئية القاصرة إلى بناء منظومة حضرية متكاملة، استعادت قيمة الإنسان من وسط ضجيج الإسفلت، دون أن تُفرط في كفاءة الأداء.

هذا التحول لم يكتفِ بتغيير المشهد، بل وضع أساساً لمرونة استثنائية صمدت أربعين عاماً؛ ففي الوقت الذي كانت فيه المخططات التقليدية تنهار أمام التوسعات، كان هذا البناء يستوعب بذكاء متطلبات أمنية ودبلوماسية بالغة الحساسية، دون أن يفقد توازنه أو وضوحه التنظيمي.

 

مخطط هندسي مفاهيمي (Urban Design Concept) للمنطقة المركزية في الحي الدبلوماسي بالرياض، يوضح توزيع ساحة الكندي، الجامع الكبير، الميدان، والسوق.

 

ساحة الكندي — جائزة الآغا خان للعمارة، 1989

ثمرة هذا التكوين كانت ساحةً اكتسبت حضورًا حيًّا منذ إنشائها، وتُوّجت عام 1989 بجائزة آغا خان للعمارة بوصفها نموذجًا حقق الامتثال التخطيطي بين المقياس الإنساني ومتطلبات النسيج الحضري.

هناك تتشكل العلاقة بين الظل والفراغ بدقة، وتتسع الممرات وتتنوع الساحات ضمن حركة منظومة متماسكة ترتكز على وضوح التكوين وتناغم العناصر. وفي امتداد هذا التكوين، تُقرأ الساحة اليوم في تفاصيل استخدامها اليومي حركة تتدفق عبر الممرات، ومجموعات تستقر في مناطق الظل، في مشهد حيّ يتجدّد مع المستخدمين، ويؤكد أن الفراغ حين يُصاغ على قياس الإنسان يؤدي دوره.

 

صورة فوتوغرافية حية لساحة الكندي في الحي الدبلوماسي بالرياض، تظهر حركة المشاة والأطفال والنسيج العمراني الطيني المستوحى من العمارة النجدية.

 

النموذج الثاني: مركز الملك عبد العزيز التاريخي – الرياض

في مطلع التسعينيات، كان حي المربّع يواجه تفككًا في نسيجه العمراني؛ إرث طيني أصيل يمثل ذاكرة الدولة ومقر مؤسسها، تحيط به فراغات شاسعة ومبعثرة تفتقر إلى تعريف وظيفي وترابط بصري.

ومع اقتراب اللحظة التاريخية الفارقة للاحتفاء بمرور قرن على رحلة تأسيس الدولة على يد الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه-، لم يكن التحدي عمرانيًا فحسب، بل كان سباقًا مع الزمن لتقديم منجز حضري يليق بالحدث؛ إذ طُلب من البيئة إحداث تحول جذري خلال ثلاثة عشر شهرًا فقط.

لم يأتِ المشروع كمعالجة ترميمية تقليدية، بل كعملية إنقاذ حضري أعادت صياغة العلاقة بين التاريخ والوظيفة. وبدلًا من التعامل مع المباني الطينية كقطع متاحف معزولة، تم تأهيلها لتعمل داخل نسيج نشط، مع دمج منظومة الحركة في هيكل متماسك ربط المتاحف بالساحات والحدائق، محولًا ذلك الشتات العمراني إلى منظومة موحدة.

 

لقطة جوية لمركز الملك عبدالعزيز التاريخي في حي المربع بالرياض، تظهر المتاحف والمباني التراثية والحدائق العامة المحيطة بالمركز.

اليوم، تعمل هذه المساحة التي تتجاوز 440,000 متر مربع كواحة ثقافية حية، تستوعب الكثافات العالية في المواسم الكبرى بذات الانسيابية التي تحافظ عليها في الاستخدام اليومي.

افتُتح المركز رسميًا في يناير 1999، ولم تكن هذه الاستعادة للتراث محاكاة شكلية، بل عملية هندسية وظّفت المواد الأصيلة ضمن حلول تقنية حديثة، ضمنت بقاء المركز واحة ثقافية نابضة استوعبت تحولات المدينة عبر عقودها المتتالية، وهو التميز الذي يجسد قيم ميثاق ميثاق الملك سلمان العمراني. إن قدرة هذه الفراغات على احتضان الحشود والفعاليات الكبرى بذات الكفاءة بعد كل هذه السنين، ما هو إلا نتاج مباشر لمنهجية أصالة التكوين

 

صورة فوتوغرافية للمدخل الرئيسي لمركز الملك عبدالعزيز التاريخي في حي المربع بالرياض، تظهر العمارة الحديثة الممزوجة بالمواد الأصيلة والإضاءة الليلية.

النموذج الثالث: تطوير وإعادة تأهيل المنطقة المركزية – الطائف

في الطائف، كانت المسألة مختلفة. فالمركز التاريخي لا يفتقر إلى الهوية، بل يواجه إشكالية في تداخل الاستخدامات: مركبات ومشاة في مسار واحد، ومحلات تجارية تتقاطع مع معالم تاريخية تعود لقرون، مع غياب رابط بصري يمنح المكان قابلية القراءة.

ومن هذا الواقع، جاء تدخل شركة البيئة ضمن إطار تخطيطي شامل لإعادة تنظيم المنطقة المركزية، انطلاقًا من قراءة دقيقة للمكان وتحليل مكوناته، ورسم خطة تحدد مواقع التدخل وأولوياته، مع إبراز نطاقات مهيأة لإعادة التوظيف والتطوير المستقبلي.

ومع إدراك الفجوة التي قد تنشأ بين المقترحات وواقع التنفيذ، تبنى هذا النهج ربط التصميم بواقعه، عبر حلول تراعي الميزانية وإمكانات المُلاك، وتستند إلى قابلية التطبيق. بذلك، تتجاوز المعالجة حضورها البصري لتتحقق كواقع مستمر، منسجمة مع منطق التكوين القائم.

يبرز نطاق منطقة السوق كأحد أهم مواقع هذا التداخل، كونه يمثل نقطة الكثافة الأعلى للحركة والنشاط، وأحد النطاقات التي تعكس أثر التدخل على مستوى المنطقة المركزية. ومن خلاله، يمكن قراءة أثر هذا التنظيم في توجيه الحركة وضبط العلاقة بين الاستخدامات، ضمن نسيج ظل محتفظًا بمنطقه، لكنه أصبح أكثر وضوحًا في أدائه.

 

مخطط هندسي يوضح تنظيم الحركة في المنطقةالمركزية في الطائف، مقسم إلى نطاق السوق والكتل العمرانية القائمة والفراغات.

المنطق المنهجي للنماذج الثلاثة

هذه المشاريع لا يجمعها تاريخ أو جائزة، بل يجمعها سؤال جوهري: من أين يبدأ المخطط؟

حين يبدأ التصميم من الشكل، تنتهي النتيجة عند حدود الصورة. أما حين ينطلق من تحليل الحركة والخدمات وتشابك العلاقات المكانية، فإنه يشيد بنية؛ والبنية وحدها هي ما يصمد، وهي ما يمنح المكان زخم الاستمرار.

كمصممين حضريين، لا يقتصر دورنا على التصميم بمفهومه البصري، بل يشمل استيعاب المتغيرات التي تشكل بنية المدينة؛ لذا يجب توظيف دراسات النقل والحركة المرورية، وتحليل علاقتها بتصميم الطرق وتأثيرها على كفاءة التنقل، مع الالتزام بالمعايير الصحية والتنظيمات التي تحكم العمل العمراني.

كما يجب أن نعتمد على الخبرات التراكمية في فهم الأبعاد وإيجاد البدائل التشكيلية لتحليل المؤثرات المكانية التي تمنح الفراغات الحضرية جودتها وهي الممارسة التي تُشكل جوهر رؤيتنا في البيئة، حيث نؤمن بأن: الأصالة ليست في أن نستعيد الأشكال، بل في أن نفهم المنطق الذي أنتجها.

وهذا ما تكشفه هذه النماذج؛ حيث لا يعود الماضي فيها مرجعًا بصريًا نكتفي بمحاكاته، بل نظام حيوي يُعاد تفعيله لقراءة المستقبل