Beeah

الوعي المنهجي بالبدايات ودوره في تشكّل النموج الفكري الشخصي للمعماري

 

 

لماذا تُقرأ البدايات على أنها غير مستقرة؟

 

في المراحل الأولى من التشكّل المهني، لا يظهر الاضطراب على أنه غياب للرؤية، بل كحالة من السيولة الإدراكية التي لم تستقر بعد في موقف فكري محدد. تتجاور مقاربات تصميمية متعددة دون أن تنتظم في إطار مرجعي ضابط، مما يجعل التمييز عسيرًا بين تذبذب ناتج عن نقص الخبرة، وانفتاحٍ مبكر على سياقات متباينة.

يتجلّى هذا الإحساس في التردد أمام تثبيت موقف نهائي، وفي إعادة اختبار القرارات التصميمية، وفي شعور داخلي بأن كل محاولة إنتاجية ما تزال أقرب إلى الفحص والتعلّم منها إلى صياغة نموذج مكتمل. هذا الارتباك لا يدل على خطأ في المسار، بل على أن الوعي في هذه المرحلة يتقدّم عبر المحاولة والمراجعة قبل أن يستقر على قناعة واضحة.

 

مذهب الاستقصاء في تشكّل المنطق المعماري

مع الدخول في الممارسة الفعلية، يواجه المعماري تعقيد العمل كما يظهر في الواقع، بعيدًا عن صيغته النظرية. تتعدّد المقاربات الممكنة، ولا تستقر إحداها سريعًا كمرجعية نهائية، لأن قراءة الواقع من أكثر من زاوية  تُعدّ ضرورية للفهم، لا مجرد ترف فكري.

في هذا السياق، تصبح القرارات أقل مباشرة. فالتجربة تكشف أن كل اختيار يرتبط بشروط المكان وطبيعة الاستخدام والسياق المحيط، وأن الحلول الجاهزة لا تصمد طويلًا أمام هذا التعقيد. عندها يبدأ تشكّل منطق نابع من الممارسة نفسها، حيث يتقدّم ترتيب الأسئلة على استعجال الوصول إلى إجابات.

 

التفكير الاستقصائي في تشكّل الوعي المعماري

 

استقرار النموذج الفكري عبر امتداد التجربة

مع امتداد التجربة عبر الزمن، يتضح أن تشكّل النموذج الفكري ليس لحظة فاصلة، بل مسار تراكمي طويل. يتكوّن هذا النموذج من تكرار الممارسة، وتنوّع المواقف، واختبار القرارات في سياقات مختلفة.

خلال هذا المسار، يبدأ المعماري بتمييز ما يمكن الاعتماد عليه بوصفه مرجعية مستقرة، وما ينبغي أن يبقى مفتوحًا للتطوير. ومع الوقت، تكتسب بعض الاختيارات وزنها، لا لأنها أُعلنت كنظرية، بل لأنها أثبتت قدرتها على الاستمرار عبر التطبيق.

غالبًا لا يُدرك المعماري اكتمال هذا النموذج في لحظته، بل يكتشفه لاحقًا عند تأمّل مساره المهني، حين يلاحظ اتساق قراراته عبر مشاريع مختلفة رغم اختلاف الظروف. عندها يتبيّن أن ما تشكّل كان منطقًا داخليًا صار يوجّه الاختيار تلقائيًا.

 

اتساع الرؤية في تشكّل الوعي المعماري

مع اتساع دائرة الاطلاع، يدخل الوعي المعماري مرحلة اختبار إضافية. تتعرّض الأفكار القائمة لإعادة النظر، ويظهر تساؤل حول مدى قدرتها على الصمود أمام مرجعيات متعددة وسياقات أوسع.

هذا الانتقال لا يفضي إلى فقدان الهوية، بل إلى إعادة ترتيبها. فالمقارنة بين طرق التفكير المختلفة، وفهم اختلاف الشروط الثقافية والمكانية، يحرّر القرار من ضيق المنظور الواحد، ويمنح المعماري قدرة أعلى على قراءة ما يناسب المكان فعليًا، وما يخدم الاستخدام على المدى الأبعد.

ومع هذا الاتساع، لا تتراجع الهوية، بل تزداد وضوح، بعد أن اختُبرت خارج حدودها الأولى.

 

من الفكرة إلى إدارة التعقيد

في هذه المرحلة، تتجاوز النماذج الأولية دورها كوسيلة تطوير مرحلية، لتصبح أداة لفهم كيفية إدارة التعقيد داخل المشروع. يتضح أن بعض العناصر تحتمل التغيير، بينما يتطلّب بعضها الآخر قدرًا من الثبات لضمان تماسك الحل.

ينتج هذا الفهم من ممارسة تكشف حدود التدخل الممكنة في كل مرحلة، وتحّول التصميم من تجميع عناصر منفصلة إلى قراءة واعية لعلاقات مترابطة. يصبح المشروع منظومة واحدة، يؤثّر تعديل أي جزء فيها على بقية الأجزاء.

هنا لا يعود التصميم بحثًا عن حل مستقل، بل عن منطق ترابط قادر على الاستجابة للواقع دون فقدان الاتزان.

 

إدارة التداخلات في الفعل التصميمي

في هذا المستوى من الممارسة، يُفهم التصميم باعتباره عملية تنسيق لعناصر متزامنة، لكلٍ منها وزن مختلف وتأثير متبادل في تكوين المشروع. أي قرار إنشائي، أو تنظيمي، أو تكويني، يُعاد قراءته ضمن شبكة تداخلات تؤثّر في اتزان العمل ككل.

بهذا المعنى، يقترب دور المعماري من دور قائد الأوركسترا من حيث تنظيم العناصر وتنسيق أدوارها. فكما يضبط القائد تفاعل مجموعات صوتية متزامنة، يعمل المعماري على ترتيب عناصر إنشائية وتشغيلية ومكانية بحيث تؤدي أدوارها في إطار واحد. يقوم التميّز على قدرة المشروع على العمل كوحدة متكاملة تستوعب التباين بين مكوّناتها وتحافظ على اتزانها، وتتشكّل قيمته من العلاقة بين عناصره أكثر من حضور أي عنصر بمفرده.

 

Managing interdependencies between design decisions in architecture

 

عند النظر إلى هذا المسار كاملًا، يتضح أن ما يُفهم في البدايات على أنه ارتباك أو تشتّت كان في جوهره جزءًا من بناء تراكمي للمنطق المهني. عدم الاستقرار كان علامة بحث، وتأجيل الحسم أتاح اختبار الفكرة في أكثر من سياق، والانفتاح المعرفي وسّع المرجع بدل أن يبدّده.

في هذا المسار، لا تختفي الأسئلة، بل تتغيّر طبيعتها. والسؤال الذي يظل حاضرًا: في أي مرحلة يتشكّل وعيك اليوم؟